السيد عبد الأعلى السبزواري

330

مواهب الرحمن في تفسير القرآن

والمعنى : بمثل هذا البيان وبهذا النحو من الحكمة يشرّع اللّه تعالى الأحكام ويبيّن الآيات التي تتعلّق بمصالح العباد وسعادتهم . قوله تعالى : لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ . الظرف - في الدنيا والآخرة - متعلق بقوله تعالى : تَتَفَكَّرُونَ . أي أنّ غاية تشريع الأحكام ، والحكمة في جعلها أنّها تجعلكم تستعملون عقولكم وتتفكرون في أمر الدّنيا والآخرة وشؤونهما ، وتعملون ما فيه صلاحكم في الدّارين . والفكر : قوة مودعة في الإنسان توجب العلم بما يراد ، وبها امتاز عن سائر المخلوقات ، والتفكر إعمال تلك القوة ، وقد ورد في الكتاب العزيز والسنة الشريفة الاهتمام الكبير بإعمال هذه القوة التي هي من أعظم وودائع اللّه جلّ جلاله في هذا العالم ، ففي الحديث عن نبينا الأعظم ( صلّى اللّه عليه وآله ) : « تفكر ساعة خير من عبادة سبعين سنة » . وسيأتي في الآيات المناسبة ما يتعلّق بذلك . وفي الآية حث للإنسان على البحث عن حقائق الموجودات وأسرار الطبيعة ، والتفكر في أمور المبدأ والمعاد ، وجميع ما هو مرتبط بمصالح الإنسان من حيث سعادته أو شقاوته وكشف المعارف والعلوم وترغيب له في أن لا يأخذ شيئا إلا بعد التروّي والتفكر فيه . ثم إنّه لم يرد في القرآن الكريم بالنسبة إلى الفكر المطلوب له تعالى إلا لفظ التفكر ، والغالب اقترانه بالآيات ، ومثل هذا التأكيد لا ينبغي أن يكون مورده الزائل الفاني ، والحادث المتغيّر ، بل يقصد القرآن من ذلك أن يستعمل الفكر فيما هو الأصلح والأنفع للإنسان في الدنيا والآخرة ، وهو جميع العلوم والأمور المرتبطة بالمبدأ والمعاد ، فإنّ التفكر فيهما يدعو الإنسان إلى اختيار الطّريق المستقيم وما هو سبب لنجاته من أهوال المعاد ، كما يدعوه إلى اتباع رشده والإيمان باللّه تعالى وما أنزله على الأنبياء والمرسلين ، والعمل بما هو الصّلاح له في الدّارين ، وهذا هو التفكير الصحيح الذي تدعو إليه جميع